أحمد بن يحيى العمري

206

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

عني ، وقل له : لو أمكنني السعي إليه لسعيت . ثم زودني ، وسافرت . قال أبو المظفر : وقلت له يوما أول ما قدمت الشام - وما كان يرد أحدا في شفاعة - وقد كتب رقعة إلى الملك المعظّم : " كيف تكتب هذا والملك المعظّم على الحقيقة هو الله ؟ . فتبسّم ، ورمى إليّ الورقة ، وقال : تأمّلها . وإذا به لما كتب " الملك المعظّم " كسر الظاء ، فصار " المعظّم " . وقال : لا بد أن يكون يوما قد عظّم الله تعالى . قال : فعجبت من ورعه ، وتحفّظه في منطقه عن مثل هذا . قال أبو المظفر : وقال أبو عمر يوما للمبارز المعتمد : قد أكثرت عليه من الرقاع والشفاعات ! . فقال له : ربما تكتب إليّ في حق أناس لا يستحقون الشفاعة ، وأكره ردّ شفاعتك . فقال له الشيخ : أنا أقضي حق من قصدني ، وأنت إن شئت فاقبل ، وإن شئت فلا تقبل . فقال : ما أردّ ورقتك أبدا . قال أبو المظفر : وكان سبب موته أنه حضر مجلسي بالجامع بقاسيون ، مع أخيه الموفّق ، والجماعة . وكان قاعدا في الباب الكبير ، وجرى الكلام في رؤية الله ومشاهدته ، واستغرقت ، وكان وقتا عجيبا فقام أبو عمر من جانب أخيه ، وطلب باب الجامع ولم أره ، فالتفت وإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع ، فصحت على الرجل : اقعد . فظنّ أبو عمر أنني أخاطبه ، فجلس على عتبة باب الجامع الجوانية ، إلى آخر المجلس ، ثم حمل إلى الدير فكان آخر العهد به ، وأقام أياما مريضا ، ولم يترك شيئا من أوراده ، فلما كان عشيّة الاثنين ، ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وستمائة ، جمع أهله ، واستقبل القبلة ، ووصاهم بتقوى الله ، ومراقبته ، وأمرهم بقراءة " يسن " ، وكان آخر كلامه : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 1 » ، وتوفي . وغسّل وقت السّحر ، ومن وصل إلى الماء الذي غسّل به نشّف به ؛ النساء مقانعهنّ ،

--> ( 1 ) سورة البقرة - الآية 132 .